ابن عربي

57

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

قال : قدم الجارود بن عبد اللّه وكان سيدا في قومه ، مطاعا عظيما في عشيرته ، مطاع الأمر ، رفيع القدر ، ظاهر الأدب ، بارع الفضل ، شامخ الحسب ، بديع الجمال ، كثير الخطر ، حسن الفعال ، ذا مال ومنعة ، في وفد عبد القيس من ذوي الأخطار والأقدار والفضل والإحسان والفصاحة والبرهان ، وكل رجل منهم كالنخلة السّحوق ، على ناقة كالفحل العتيق ، وقد جنبوا الجياد ، وأعدّوا للجلاد ، جادّين في سيرهم ، حازمين في أمرهم ، يسيرون ذميلا ، ويقطعون ميلا فميلا ، حتى أناخوا عند مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأقبل الجارود على قومه ، والمشيخة من بني عمه ، فقال : يا قوم ، هذا محمد الأغر الأعز ، سيد العرب ، وخير سلالة عبد المطلب ، فإذا دخلتم عليه ، ووقفتم بين يديه ، فأحسنوا إليه السلام ، وأقلّوا عنده الكلام . فقالوا : أيها الملك الهمام ، والأسد الضرغام ، لن نتكلم إذا حضرت ، ولن نجاوز إذا أمرت ، فقل ما شئت فإنّا سامعون ، واعمل ما شئت فإنّا تابعون ، وأمر بما تراه فإنا طائعون . فنهض الجارود في كل كميّ صنديد ، قد دوّموا العمائم ، وتردّوا بالصمائم ، يجرّون أسيافهم ، ويسحبون أذيالهم ، يتناشدون الأشعار ، ويتذاكرون مناقب الأخيار ، لا يتكلمون طويلا ، ولا يسكتون عيّا ، إن أمرهم ائتمروا ، وإن زجرهم ازدجروا ، كأنهم أسد غيل ، يقدمها ذو لبوة مهول ، حتى مثلوا بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فلما دخل القوم المسجد ، وأبصرهم أهل المشهد ، لفّ الجارود أمام النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وحسر لثامه ، وحسن سلامه ، ثم أنشأ يقول : يا نبيّ الهدى أتتك رجال * قطعت فدفدا وآلا فآلا وطوت نحوك الضحاضح طرّا * لا تخال الكلال فيك كلالا كل دهماء يقصر الطرف عنها * أرفلتها قلاصنا إرفالا وطوتها الحيا تجمّح فيها * بكماة كأنجم تتلألأ تبتغي دفع يوم بؤس عبوس * أوجل القلب ذكره ثم هالا فلما سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما سمع منه فرح فرحا شديدا ، وقرّبه وأدناه ، ورفع مجلسه وحيّاه ، وأكرمه وحباه ، وقال : « يا جارود ، لقد تأخر بك وبقومك الموعد ، وطال بكم الأمد » . قال : واللّه يا رسول اللّه لقد أخطأ من أخطأك قصده ، وعدم رشده ، وتلك أيم اللّه أكبر خيبة ، وأعظم جوبة ، والرائد لا يكذب أهله ، ولا يغش نفسه ، لقد جئت بالحق ، ونطقت بالصدق ، والذي بعثك بالحق نبيا ، واختارك للمؤمنين وليّا ، لقد وجدت وصفك في الإنجيل ، ولقد بشّر بك ابن البتول ، وطول التحية لك ، والشكر لمن أكرمك وأرسلك ،